حسناء ديالمة
113
الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق
وتحصى ، فالإنسان الفاقد لحريته لا يمكن له القيام بالعملية التربوية على الوجه الأكمل » « 1 » . فالتربية المثمرة تعتمد على نظرة صحيحة ومتكاملة إلى حريّة الإنسان واختياره . بناء على هذا يقرر الصادق رأيه في هذا الصدد بعبارة موجزة ودقيقة وهي قوله : « لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين » « 2 » . ولربما اعتبر أمر التخيير هو ما قد يحل محل الجبر أو التفويض ، وليس الأمر بين الأمرين تلفيقا بين الجبر والتفويض بمعنى أنّ في سلوك الإنسان شيئا من الجبر وشيئا من التفويض بل بمعنى نفي الجبر ونفي الاستقلال في سلوك الإنسان . وعندما سأل رجل الإمام : وما أمر بين الأمرين ؟ قال : « مثل ذلك رجل رأيته على معصية ، فنهيته فلم ينته ، فتركته ، ففعل تلك المعصية ، فليس حيث لم يقبل منك فتركته ، كنت أنت الذي أمرته بالمعصية » « 3 » . فيرى الإمام أنّ الإنسان مسؤول عن أعماله ، لأنّ في استطاعته أن يفعل أو لا يفعل ، ولو لم يكن مسؤولا عن أعماله ، لما كلف ولما كان هناك معنى للثواب والعقاب ، ولا جدوى للأنبياء والرسالات والتي ما كانت إلا لإرشاد الناس ورعايتهم وتحذيرهم حتى تكون هناك مسؤولية . وكذلك سأل رجل أبا عبد اللّه : أجبر اللّه العباد على المعاصي ؟ فقال : « اللّه أعدل من أن يجبرهم على المعاصي ، ثم يعذبهم عليها » . فقال له : ففوض اللّه إلى العباد ؟ قال : « لو فوض إليهم لم يحصرهم بالأمر والنهي . فقال له : فبينهما منزلة ؟ قال : نعم ، أوسع مما بين السماء والأرض » « 4 » . هذا الكلام يبيّن لنا حقيقة هامة يجب أن نأخذها بالاعتبار وهي أنّ مساحة الأمر بين الأمرين هي كل مساحة حياة الإنسان وهو في كل شؤونه وأعماله وحركاته يتعامل مع اللّه تعالى ولم ينفرد عن رعايته وتدبيره ، فسلطان إرادة اللّه في حياة الفرد إلى جانب حرية إرادة الإنسان هو مبدأ الأمر بين الأمرين وهذه المساحة الواسعة هي التي عبّر الصادق عنها بأوسع ممّا بين السماء والأرض .
--> ( 1 ) علاء الدين القزويني ، الفكر التربوي عند الشيعة الإمامية ، مكتبة الفقيه ، الكويت ، 1986 ، ص 134 . ( 2 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 1 ، باب الجبر والقدر ، ح 13 . ( 3 ) المصدر نفسه والمكان نفسه . ( 4 ) المصدر نفسه ، ح 11 .